جان لوئيس بوركهارت

341

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ومن عادة قوافل سواكن أن تسافر في رتل واحد طويل كما تفعل قوافل الحجاز ، أما قوافل مصر ففي جبهة عريضة . على أن الطريقة الأولى أمثل ، ذلك لأنه إذا اختل حمل جمل من جمالها أمكن تنحيته عن الصف وإصلاح الحمل قبل أن تلحق الإبل المتخلفة بالركب . أما في الطريقة الثانية فلا بد من وقوف القافلة كلها إذا وقع لجمل منها حادث . والقوافل السائرة من بغداد إلى حلب ودمشق - وقد تبلغ القافلة منها أحيانا ألفي جمل تمشى والجمال سائرة جنبا إلى جنب على مساحة تزيد على الميل . وكان أصحابنا التجار السواكنية يأمرون عبيدهم بسوق الجمال من مقاودها ، فإذا زل جمل أو تعثر أهووا بالسوط على قائده . ووقع لي اليوم ونحن مقيلون أمر أضحكنى ورفه عنى كثيرا . ذلك أن التجار السود اشتروا شاة وذبحوها ثم وزعوا بعض لحمها على العبيد . وقد قدموا لي شطرا من هذا اللحم ولكني رفضته لأن أكل اللحم يثير في الظمأ الشديد للماء ، وكذلك فعل بهؤلاء العبيد بعد أن أكلوه ، ولم يكن في قرب سادتهم ماء لسوء الحظ . فجاءنى منهم غلام يحمل عظمة لم يكد يفرغ من نهشها ، وقدمها إلى زاعما أنها ما زالت ملبسة بأكثر لحمها ، لآخذها لقاء شربة ماء ، ثم قال « لقد أرسل سيدي إلى قنقراب مع السواكنية في طلب الماء ، فإذا عادت قربه ملأى فإني أعدك صادقا برد هذه الشربة إليك » . وليس في الإمكان أن يصور المرء الخلق الشرقي في الطبقات الوضيعة خيرا مما صوره هذا الغلام في النهامه نصيبه من اللحم بهذه الشراهة ، ثم في محاولته غشى بتقديمه العظمة إلىّ وبذل وعد يعرف أنه لا يستطيع إنجازه . على أن حيلته لم تنطل على ، وشربت أنا وغلامي آخر قطرة من الماء في قربتى . وسرنا فوق السهل الملح مرحلة طويلة بعد الظهر ، ورأيت في أثناء مسيرنا غزالا كبير الحجم يوشك أن يكون في طول الظبي ، وله قرون طوال مدببة . واقترب منه سواكنى ورماه برمحه ولكنه أخطأه . وقبيل الغروب طالعتنا سواكن من بعيد ، وحططنا قرب قرية صغيرة - أو قل دوار - بعد أن قطعنا في يومنا عشر